المنجي بوسنينة

53

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الأناضول . وهذه البيئة الجديدة تشبه إلى حد بعيد البيئة التي خرجت منها اليسوية والحيدرية وهي بيئة الطريقة الوفائية التي يمثلها بابا إلياس الخراساني . كما أن عاشق باشا زاده ذكر أن حاجي بكتاش ولي وأخاه منتش انتسبا إلى بابا إلياس الخراساني الذي شن حملة عصيان ضد السلاجقة في عام 1239 م . وحسب ما يفهم من كلام علوان چلبي والأفلاقي فإن حاجي بكتاش ولي قد ترقى حتى وصل إلى مقام الخلافة . حسب ما يظهر مما ورد في « ولايت نامه » فإن حاجي بكتاش ولي فضّل السّكن في إحدى القرى الصّغيرة . ويمكن أن يكون ثمة سبب آخر لتفضيله الإقامة في قرية منزوية ، فقد اتبع السلاجقة بعد العصيان الذي قام به بابائي سياسة معادية للتركمانيين غير السنة ، ففضل البقاء في مكان بعيد عن الأنظار . ويمكن أيضا أن نفهم أنه أراد البقاء بمنأى عن الانتقادات التي يمكن أن يوجهها له المتصوفة السنة الموجودون في المدن الكبرى . والمعروف أن حاجي بكتاش تعرف على هذا الشيخ التركماني بشكل غيابي ( من بعيد ) ، ولم يرتح له على الإطلاق . طبيعة حياة حاجي بكتاش ولي على هذا النحو وفي هذه البيئة الضيقة هي التي جعلته مغمورا على عكس المتصوفة الذين كانوا في تكايا المدن الكبرى ، وبالتالي لم يترك وثائق بخصوص حياته . حسب ما ورد في « ولايت نامه » فإن حاجي بكتاش عاش في « سولوجاق قره هويوك » حياة شبيهة تماما بحياة شيخه بابا إلياس ، وكان من حين إلى آخر ينزوي في أحد الكهوف ، وفي أحيان أخرى يشتغل بالصيد والعمل في حقوله . ولا يمكن تعقب حياته في هذه المنطقة إلا من خلال « ولايت نامه » . وال « ولايت نامه » لا تربطه ببابا إلياس الخراساني المشهور ب « بابا رسول » ، وإنما تربطه بأحمد يسوي . والحال أن حاجي بكتاش ولد بعد أحمد يسوي على الأقل بنصف قرن . وبالإضافة إلى ذلك ، يمكننا أن نعثر على اسم بابا رسول ( أو رسول بابا ) في القسم الذي يتحدث عن خلفاء حاجي بكتاش . وهذا يكشف أن العلاقة التي تربط بين حاجي بكتاش وبابا رسول لم تنس . غير أنه عندما كان حاجي بكتاش خليفة لبابا رسول فإن « ولايت نامه » حولت هذه العلاقة إلى العكس . فبعد أن قتل بابا رسول في عام 1240 م أصبح النفوذ المعنوي لحاجي بكتاش يتزايد في الأناضول باستمرار في مقابل تراجع نفوذ بابا رسول . وهكذا أصبحت ال « ولايت نامه » هي المسيطرة في القرن الخامس عشر بالأناضول في الأوساط الصوفية غير السّنية . حسب « ولايت نامه » فإنّ حاجي بكتاش وهو في « سولوجاق قره هويوك » كان يقوم بوظيفة الإرشاد من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان يوطد علاقاته مع المسيحيين في منطقة « أوركوب » بغاية هدايتهم إلى الإسلام . وهذا النشاط الذي كان يقوم به حاجي بكتاش لم يكن قائما على الفهم السني بل كان يعكس الفهم غير السني المتمثل في « الملامتيّة الخراسانية » . وهذا الفهم قائم على ما في بنية التصوف من التسامح ، وفي الوقت نفسه لا يكون سببا في انفصال المهتدين عن بيئتهم الثقافية وإنما هو فهم للإسلام يسمح لهم